
بقلم/ صاحب السمو
الملكي
الأمير عبدالعزيز بن فهد بن
عبدالعزيز
وزير الدولة عضو مجلس الوزراء
الحمد لله الذي كتب
الآجال وقدر الأقدار, جعل الموت راحة
للأبرار القائل في محكم التنزيل: إذا
جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا
يستقدمون والصلاة والسلام على خير
البرية القائل: "إن العين لتدمع
وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي
ربنا.." أما بعد:
فكم هي اللحظات المحزنة في هذه
الحياة؟ وكم هي الأحداث المؤثرة في
هذه الدنيا؟ غير أن أشدها وقعا
وأكبرها تأثيرا هي لحظات الفراق
والوداع. فلكم أثارت من شجون وأرقت من
جفون لاسيما فقد الأحبة وفراق الأعزة.
فكم هو شديد الوقع على النفوس خبره.
عند فراق الأحبة يجتمع الرضا والحزن.
الفجيعة والعزاء. غير أن المؤمن يسلم
لله أمره ويرضى بقضائه وقدره خيره
وشره.. حلوه ومره. وهذه هي حال الدنيا
صفو مشوب بالكدر.
جـبلت على كدر وأنت تريدها
صفوا من الأحزان والأكدار
ومكلف الأشياء غير طباعها
متلمس في الماء جذوة نار
هذا.. وقد فجعنا بخبر عز علينا مسمعه
وأثر في قلوبنا موقعه, خبر هز المسامع
وأجرى المدامع ذلكم هو نبأ وفاة أخي
الأكبر سليل المجد وبكر الفهد طيب
الخصال كريم الفعال, من يجف القلم
ويبخل المداد عن تعداد مكارمه
واستقصاء محاسنه.. إنه الأمير فيصل بن
فهد ـ رحمه الله ـ فماذا عسى أن يخط
القلم أو يعرب اللسان؟ مصابنا فيك يا
فيصل الخيرات عظيم, وخطبنا بفراقك يا
أبا نواف جلل.
حزن وحق الله آلم مهجتمي
فمدامعي لفراق فيصل تهمل
أنى التفت أرى الوجوه حزينة
تبكي على رحيلكم يا فيصل
حقا إنه لحزن تتفطر له القلوب وتذوب
منه الأكباد ولكننا بقضاء ربنا راضون.
عزاؤنا في فيصل رحمه الله وأسكنه
فسيح جناته ميراث من المروءات خالد
وبحر من المكرمات ورثه ابن عن والد..
كيف لا وقد ورث من أسلافه الكرام
الموحدين المجد التالد, انه خريج
مدرسة مولاي خادم الحرمين الشريفين
حفظه الله ومتعنا ببقائه الذي فاض
قلبه بحبه, والذي لا أجد له عزاء في
فقده وفراقه إلا الرجاء ان يثيبه
الله ببيت الحمد في الجنة الذي أعده
الله جزاء لمن صبر على فقد حبيبه ورضي
واسترجع.
كثيرون هم الذين يعرفون فيصل في داخل
المملكة وخارجها, لكن القليل منهم من
يعرف تلك الخبايا الجليلة في شخصه
وذاته. قصرت والله عن مكارم فيصل همم
كثير من عظماء الرجال, فكانت مثلا
يحتذى, وفعل على مر الأجيال به يقتدى.
فكم من مكلوم أتى اليه مثقلا
بالأحمال الثقال وما خرج من عنده إلا
بصدر منشرح, وكم من سقيم أنهكته
الآلام فكان فيصل مواسيا له وبلسما
بإذن الله وتبدل حزنه وألمه الى فرح
وسرور, وكم من معدم اظلمت في عينيه
الدنيا فكان فيصل الشمعة التي تضيء
له دروب الأمل. كان ـ رحمه الله ـ أبا
لكثير من الأيتام وأخا معينا لكثير
من أهل الحاجات وأهل السقام. لا يهدأ
له بال إذا علم بحاجة محتاج حتى
يقضيها, ولا يطيب له بغير ذلك راحة
ولا منام. أمور كثيرة تستحق الذكر من
مناقبه وحسناته لم يعلمها الناس ولكن
الله علمها. ولم يحيطوا بها ولكن الله
أحاط بها. نسأل الله سبحانه وتعالى ان
يورثه بها أعلى الجنان ومنازل
الرضوان.
فيصل الخيرات.. نعزي فيك الأطفال
اليتامى والمكلومين وننعاه الى كل
المسلمين والمؤمنين, نصبر قلوبنا
وقلوب محبيه بقول نبينا وحبيبنا محمد
"إنما يعجل بخياركم وصالحيكم"
ولقد تمثلنا في موكب جنازته المهيب
قول المصطفى "أنتم شهداء الله في
أرضه" فما تلك الألوف المؤلفة
والعيون الدامعة والآهات والزفرات
الحرى إلا دليل حب جارف وحزن لفراقه
عاصف, وهذه ـ بإذن الله ـ بشارة عظيمة
بأن حب العباد دليل على حب رب العباد.
نسأل الله ذلك برحمته وفضله. ولعل
اصدق ما يمثل ذلك المشهد العظيم في
يوم وفاة فيصل الحبيب قول الشاعر:
علو في الحياة وفي الممات
لحق تلك احدى المعجزات
كأن الناس حولك حين قاموا
وفود نداك أيام الهبات
نعم والله لقد كان فيصل المروءات
سيلا هادرا وغيثا هاطلا من المكارم
والمحامد.
سقاك الغيث أنك كنت غيثا
ويسرا حين يلتمس اليسار
ويصدق فيه قول الإمام الشافعي ـ رحمه
الله ـ:
وأفضل الناس ما بين الورى رجل
تقضى على يده للناس حاجات
وما لم أسطره من أفضال أخي فيصل فإنه
مكنون في القلوب منقوش في الصدور ولا
تحتمله السطور, أوفر العزاء وأجزل
الدعاء نرفعه لوالد الجميع مولاي
خادم الحرمين الشريفين متعنا الله
بطول بقائه قرة للعيون, وهنيئا
لمولاي الصبر والاحتساب والرضى.
وأعزي سيدي صاحب السمو الملكي الأمير
عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد نائب
رئيس مجلس الوزراء رئيس الحرس الوطني
ـ حفظه الله ـ وسيدي صاحب السمو
الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز
النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء
وزير الدفاع والطيران والمفتش العام
ـ حفظه الله ـ , وأحسن الله عزاءنا
جميعا وجبر مصابنا وغفر لميتنا
وأدخله فسيح جناته وجعل له مقعد صدق
مع النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده
بأجل مسمى.
إننا بقضاء ربنا راضون ولما أصابنا
محتسبون ولما أمر به ربنا وبارئنا
مرددون ولا نقول إلا ما يرضي ربنا..
إنا لله وإنا إليه راجعون .